تنيس حكاية المدينة الإسلامية المفقودة في قلب بحيرة المنزلة

سياحة

استمع الي المقالة
0:00

تنيس حكاية المدينة الإسلامية المفقودة في قلب بحيرة المنزلة

تقبع أطلال مدينة تنيس الأثرية في قلب بحيرة المنزلة وعلى بعد عدة كيلومترات جنوب غرب مدينة بورسعيد حيث تمثل هذه الأطلال إحدى أبرز المدن الإسلامية التي إزدهرت لقرون طويلة قبل أن تختفي من الوجود لتترك خلفها بقايا حضارة لا تزال شاهدة على مجدها القديم.

إذ تستقر هذه المدينة المفقودة بين المياه الهادئة والتلال الأثرية المتناثرة بعد أن كانت يومًا من أهم المراكز الإقتصادية والعسكرية والصناعية في مصر الإسلامية.

أصل التسمية وطبيعة الموقع

حكاية المدينة الإسلامية المفقودة فيرجع إسم تنيس إلى أصل يوناني مشتق من كلمة نيسوس التي تعني الجزيرة ثم أضيفت إليها علامة التأنيث القبطية لتصبح تنيسوس قبل أن تتحول إلى تنيس الحالية.

ويعكس هذا الإسم طبيعة الموقع الجغرافي للمدينة إذ أحاطت بها المياه من جميع الجهات مما جعلها جزيرة حصينة وسط البحيرة ومنحها أهمية إستراتيجية كبرى عبر العصور المختلفة.

من أكواخ القصب إلى مدينة حصينة

عقب دخول العرب كانت تنيس عبارة عن تجمعات بسيطة من أكواخ القصب حتى عُرفت لفترة بإسم ذات الأخصاص. ومع ذلك سرعان ما بدأت رحلة الصعود خلال العصر الأموي حينما إشتهرت بصناعة النسيج الفاخر لتتحول تدريجيًا إلى مركز صناعي وتجاري مهم.

علاوة على ذلك إستمر إزدهارها خلال العصر العباسي حتى أمر الخليفة المتوكل على الله ببناء سورها عام 230 هجرية والذي إكتمل بعد تسع سنوات ليضفي على المدينة مزيدًا من القوة والمنعة.

حصن الدفاع والسياسة

لعب الموقع الجغرافي لتنيس دورًا محوريًا في تاريخها السياسي والعسكري إذ كانت الجزيرة بمثابة رباط دفاعي متقدم على ساحل مصر الشمالي تحميها التحصينات الطبيعية والمائية.

بالإضافة إلى ذلك شكل حصن الأشتوم خط الدفاع الأول عنها كما كانت مدينة دمياط تمثل العمق العسكري الذي يساندها عند تعرضها لأي تهديد خارجي مما جعل تنيس إحدى أهم الثغور الإسلامية على البحر المتوسط.

إمارة مستقلة في العصر العباسي

شهدت تنيس خلال العصر العباسي أحداثًا سياسية بارزة خاصة أثناء الصراع بين الأمين والمأمون ابني الخليفة هارون الرشيد.

وفي تلك الفترة نجح عبد العزيز الجروي ونجله في إقامة إمارة قوية اتخذت من تنيس مركزًا لها وبسطت نفوذها على مناطق واسعة امتدت من الإسكندرية حتى بلبيس بل وصل تأثيرها إلى أجزاء من صعيد مصر حتى أصبح حاكمها يُعرف بلقب ملك الساحل.

التلال الحمراء وشهادة التاريخ

لا يرى الزائر اليوم سوى تلال أثرية ترتفع تدريجيًا فوق سطح الجزيرة تتناثر بينها بقايا الطوب الأحمر وقطع الفخار والخزف والزجاج الملون.

ويغلب اللون الأحمر على الموقع نتيجة تحلل المباني القديمة المشيدة بالطوب الأحمر والتي تعرضت لعوامل الطبيعة على مدى قرون طويلة لتتحول إلى طبقات أثرية تغطي وجه الأرض وتحفظ بين طياتها أسرار مدينة كاملة.

حفائر كشفت المستور

رغم القيمة التاريخية الكبيرة للموقع لم يحظَ تنيس بإهتمام أثري حقيقي إلا مطلع القرن العشرين. ففي عام 1910 أرسلت لجنة حفظ الآثار العربية مفتشها الإيطالي باتريكو باتريكولو لدراسة الموقع حيث وثق ما تبقى من صهاريج المياه وبعض المنشآت القديمة ثم بدأت الحفائر الأثرية الحديثة عام 1979

وتواصلت على مراحل متقطعة حتى عام 2010 كاشفة عن العديد من الشواهد التي أعادت رسم صورة المدينة المفقودة.

مركز عالمي لصناعة النسيج وكسوة الكعبة

إشتهرت تنيس عبر تاريخها بصناعة النسيج الفاخر حتى أصبحت واحدة من أهم مراكز صناعة المنسوجات في العالم الإسلامي.

وكانت مصانعها المعروفة بإسم دور الطراز تنتج الأقمشة الفاخرة والخلع الرسمية المطرزة بأسماء الخلفاء والوزراء إلى جانب أجود أنواع القباطي والمنسوجات الراقية.

وبفضل إتقان أهلها بلغت هذه الصناعة درجة جعلتها تحظى بثقة الخلفاء والسلاطين لقرون طويلة حيث كانت المدينة تتولى صناعة كسوة الكعبة المشرفة.

تنوع الحرف وتعدد الصناعات

لم يقتصر تميز تنيس على النسيج فقط بل كشفت الحفائر عن إزدهار العديد من الصناعات والحرف الأخرى ومنها صناعة الفخار والخزف.

كما عُثر على نماذج متنوعة من أواني حفظ المياه وأدوات الحياة اليومية بالإضافة إلى أوانٍ سوداء سميكة الجدران يعتقد بعض الباحثين أنها إستخدمت في الإضاءة بالنفط أو لأغراض عسكرية ودفاعية.

إرث حضاري ينتظر الإكتشاف

على مدار ستة قرون كاملة لعبت تنيس دورًا حضاريًا بارزًا في تاريخ مصر الإسلامية إذ كانت عاصمة للإقليم الرابع ومقرًا للأسطول البحري ومركزًا لصناعة السفن وأحد أهم مراكز التجارة والصناعة في دلتا مصر.

كما خرج منها العديد من العلماء والفقهاء والحرفيين الذين أسهموا في إزدهار الحياة الفكرية والإقتصادية في عصرهم.

ختامًا إنتهى دور تنيس التاريخي وإختفت المدينة تدريجيًا من على خريطة العمران لكن إسمها ظل حاضرًا في كتب التاريخ باعتبارها نموذجًا لمدينة ازدهرت ثم تلاشت.

وبين أطلالها الصامتة وسط بحيرة المنزلة ما زالت تنيس تروي حكاية مدينة صنعت المجد والحضارة وتركت لمصر والعالم الإسلامي إرثًا يتجاوز حدود المكان والزمان وهو إرث ينتظر من يزيل من عليه الغبار ويحوله إلى منطقة أثرية سياحية كبرى تجذب أنظار العالم وتدعم الإقتصاد القومي.